الطرق التي لجأ إليها المعتقلين لتخفيف العذاب وتحويل الزنزانة إلى مدرسة
صيغة الشهادة:
مدة المقطع: 00:10:22:17
[كيف كان الشباب يشغلون أنفسهم؟] صحيح أنَّه يستمع إلى أصوات تعذيب إخوانه لكن كان كل منا موصولًا مع الله عز وجل بالدعاء والتضرع، والدعاء لإخوانه الذين يُقتلون، وينتظر دوره، متى سيأتي دوره؟ والجميع معرض [للضرب] ومن لم يتعرض للقتل في الباحة أو أنقذ [نفسه] من الضرب عند خروجه لا بدَّ أن يُضرب في الباحة، ومن لم يُقتل في الباحة فسينال نصيبه عند الدخول، والدخول هو من أصعب اللحظات، حين يدخل إلى المهجع مرة ثانية ويرى أنَّه يدخل بين شرطة زكزاك، وإن أنقذ نفسه من الشرطي الأول يرى الثاني والـ 3، والكرباج لا تعرف مكانًا، فترى من كُسر ضلعه وشُوه أنفه وهكذا، والأخ عندما كنا نخرج كلًا منا كان مستباحًا بين أيدي هؤلاء الظلمة ويقتلونه بالطريقة التي يريدونها ويتسلون به كما يريدون، والذرائع كثيرة من أجل القتل والتعذيب، ولكن الشباب كانوا متماسكين، وحين نعيد هذه الدروس ونتذكر هذه المواقف [نرى أن] معية الله عز وجل [كانت] موجودة وحاضرة، بل كانت تحيط بنا في كل جوانبنا وأحوالنا، ولطف الله كان واضحًا، حين كانوا أيضًا يأتون بالبواري (الأنابيب) وهي بواري الحديد والأسياخ المبرومة للقتل، وعصي القبان، الجيل الجديد لا يعرفها، ولكن كانت عصي القبان طولها مترين وثخينة، على مبدأ المورينات، وهذه [يستعملونها] حين كنا نجلس جلسة السجود ويضربوننا بتلك العصي، كانت الحقيقة كفيلة لأن تنهيه لكن معية الله عز وجل كانت محيطة بنا من كل جانب، والبواري الحديد التي تلعب في ظهورنا وسياخ الحديد المبرومة بشكل كبير جدًا وهذا في كل يوم، وهذا إن لم يكن هناك معلَّم، وإن كان هناك معلَّم [أنه أبدي] أو معاقَب يأخذ كتفًا عنا، وإن لم يكن فالأمر مفتوح في هكذا أمور، حتى إذا ما انتهى وقت التنفس عدنا لندخل في دخول صعب للغاية، وسينالنا شيء من هذا الأمر، حتى إذا ما أُغلق الباب لم ينتهِ المشوار بعد وإنما ننظر إلى إخواننا وأحبائنا الذين شُوهت وجوههم أو كُسرت أيديهم وقد يكون أصبح معاقًا لفترة بسيطة نستأنس بهم وندعو لهم ونواسيهم ونقدم لهم ما نستطيع من الطعام الذي يأتي، في صورة من أجمل الصور في التضحية والفداء، ولا ننسى إخواننا الذين سيخرجون إلى التنفس بعدنا، ومن واجبنا أن ندعو لهم لأنَّهم في غزوة، وقد تكون غزوتهم أشد من غزوتنا، والتي سيخوضونها من طرف واحد، وهذه الساعة من الساعة الـ 9 إلى الساعة الـ 12، تقريبًا 3 ساعات كانت من أصعب الساعات التي تمر عليك في اليوم لأنَّك ستعيش في جو مليء بالرعب والخوف، والآلام وأصوات إخوانك وأصوات الكرابيج صعبة للغاية، والألفاظ النابية التي تسمعها من المجرمين، ولا أستطيع أن أصف تلك الوحشية والهمجية التي نُعامل بها من [قبل] هؤلاء المجرمين الذين استفردوا بنا في الساحات، وحين تنتهي كل تلك الأمور كنا نعود إلى القرآن الكريم، وحتى في تلك الظروف بعضنا يتلو القرآن وبعضنا يحفظه القرآن وبعضنا يعطي الدروس مثل اللغة العربية والعلوم الشرعية وهكذا نعود إلى ما نحن عليه، ولا ننخلع عن إخواننا وإنما نكون معهم، وهذا الأمر بشكل يومي مكرر لن ينتهي معنا إلا الساعة الـ 12، وهنا في النهار لدينا حلقة جديدة وغزوة جديدة مع موعد آخر نسميه التفقد، والذي لا يقل ضراوة وشدة وقسوة عن غيره، إنما فترته الزمنية أقل من غيرها.
بشكل عام من وُجِد في سجن تدمر هم من الطبقة المثقفة على مستوى سورية، يعني من الأطباء والمهندسين والمربين والعلماء والمفكرين ولا يوجد من غيرهم إلا القليل، وكنت أنا وأمثالي من الأطفال الذين كنا نتعلم، وحتى من الكبار كانوا يتلقون العلم ممن كان يملك تلك العلوم، وبالتالي كنا ندرك تمامًا أننا في جامعة، والحقيقة كنا في جامعات مع الإيمان الكامل الموجود لدى الشباب والثقة بالله عز وجل واليقين بالله، أنَّ ما يصيبنا من أقدار الله عز وجل ولا مردَّ لقضائه وقدره، وبالتالي كنا مطمئنين لحالنا، وعلى أنَّ هذا ما هو مكتوب لنا ولا مفرَّ منه، ولذلك هذا الأمر لا يثنينا عن طريقنا من تلقي العلم وحفظ القرآن الكريم وحفظ الأحاديث النبوية وتدبر القرآن وتعلَّم كل العلوم الشرعية والإسلامية حتى والكونية، ومن كان لهم علم في الطب والجغرافيا والصيدلة والتاريخ وغيره كل هذه الأمور متاحة، وكنا ندرك أنَّ هذه أفضل الفرص لنتعلم من هؤلاء الشباب، ولذلك كان الشباب لديهم الهمة والإرادة والعزيمة وإذا لم تتوفر تلك الأمور الحقيقة لن تقف أمامها التحديات ولا القتل ولا الصعوبات، وكان كل منا حين كنا في التنفس والكرابيج تعمل في ظهورنا كنا ندعو الله ونحفظ ونردد الآيات التي حفظناها قبل يوم أو في التنفس أيضًا ندرِّس بعضنا، أنا لا أزال أذكر أنني كنت مرتبطًا بمواعيد كثيرة لتحفيظ الإخوة، علمًا [أنه] ليس لدينا مصاحف ولا أقلام ولا يوجد شيء من الوسائل التعليمية، ممنوع علينا كل شيء، وبالتالي شبابنا ممن يحفظ القرآن يعلمه لأخيه، وممن كان لديه علمٌ يعلمه لأخيه، ومن كان ضليعًا في أمر معين يعلمه لأخيه مشافهة، وكلنا آذان صاغية، يعلم بعضنا بعضًا ويراجع بعضنا لبعض، ونستذكر هذه العلوم حتى إذا ما أتقناها أصبحنا معلمين لغيرنا، وهكذا لا نبالي بأمور معينة لأنَّ لدينا هدفًا بفضل الله عز وجل، والحقيقة وجدنا معية الله مع الإرادة والعزيمة والصدق والإخلاص، وحصلنا ما أردناه من نيل العلم والتقدم مع هؤلاء الإخوة الشباب الذين زرعوا فينا الصدق والإخلاص واليقين والثقة بالله عز وجل.
معلومات الشهادة
تاريخ المقابلة
الخميس 2022/11/24
الموضوع الرئیس
الاعتقال قبل الثورةكود الشهادة
SMI/OH/159-13/
رقم المقطع
13
أجرى المقابلة
خليل الدالاتي
مكان المقابلة
اعزاز
التصنيف
مدني
المجال الزمني
قبل الثورة
المنطقة الجغرافية
محافظة حمص-سجن تدمرشخصيات وردت في الشهادة
لايوجد معلومات حالية
كيانات وردت في الشهادة
سجن تدمر